فخر الدين الرازي

422

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وفي : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ [ الواقعة : 70 ] وما ذكرناه من الجواب في قوله : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ يس : 47 ] إذا نظرت إليه تجده مستقيما ، وحيث لم يقل : لو شاء اللَّه أطعمه ، علم أن الآخر جزاء ولم يبق فيه توهم ، لأنه إما أن يكون عند المتكلم ، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه ، وإما أن يكون عندهم وذلك غير جائز هاهنا ، لأن قولهم : لو شاء اللَّه أطعمه رد على المؤمنين في زعمهم يعني أنتم تقولون : إن اللَّه لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء اللَّه أطعمه على زعمكم ، فلما كان أطعمه جزاء معلوما عند السامع والمتكلم استغنى عن اللام ، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من الفت والجذ والفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر ، أما في المعاني : فكالسبات والفواق والزكام والدوار والصداع لأمراض وآفات في الناس والنبات . وأما في الأعيان : فكالجذاذ والحطام والفتات وكذا إذا لحقته الهاء كالبرادة والسحالة ، وفيه زيادة بيان وهو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ذكرنا في الأفعال فإنا نقول : فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق وهو الضم ، فإذا ثبت فهو لعارض ، فإن علم كما ذكرنا فلا كلام وإن لم يعلم كما في برد وقفل فالأمر خفي يطول ذكره والوضع يدل عليه في الثلاثي . وقوله تعالى : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ وفيه وجهان : أما على الوجه الأول : كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول : وحينئذ يحق أن تقولوا : إنا لمعذبون دائمون في العذاب . وأما على الوجه الثاني : فيقولون : إنا لمعذبون ومحرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى ، يقولون : إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء والوجه الثالث : في الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 68 إلى 70 ] أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيرا لهم بالإنعام عليهم ، والمزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات / السحاب الذي مس الأرض وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة ، والظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم ، وقد ذكرناه في قوله تعالى : هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [ الفرقان : 53 ] ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة ، وفي الماء الآخر أيضا صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية لمسه وهي الحرارة ، ثم قال تعالى : فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ لم يقل عند ذكر الطعام الشكر وذلك لوجهين أحدهما : أنه لم يذكر في المأكول أكلهم ، فلما لم يقل : تأكلون لم يقل : تشكرون وقال في الماء : تَشْرَبُونَ فقال : تَشْكُرُونَ والثاني : أن في المأكول قال : تَحْرُثُونَ [ الواقعة : 63 ] فأثبت لهم سعيا فلم يقل : تشكرون وقال في الماء : أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ لا عمل لكم فيه أصلا فهو محض النعمة فقال : فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ وفيه وجه ثالث : وهو الأحسن أن يقال : النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئا